محمد بن جرير الطبري

108

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فقد صحّ إذًا أن " الحنيفية " ليست الختانَ وحدَه ، ولا حجَّ البيت وحده ، ولكنه هو ما وصفنا : من الاستقامة على ملة إبراهيم ، واتباعه عليها ، والائتمام به فيها . * * * فإن قال قائل : أوَ ما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، من الأنبياء وأتباعهم ، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه ؟ قيل : بَلى . فإن قال : فكيف أضيف " الحنيفية " إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة ، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم ؟ قيل : إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله ، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة ، كالذي فعل من ذلك بإبراهيم ، فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان ، وغير ذلك من شرائع الإسلام ، تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة . وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم ، والمطيعِ منهم له والعاصي . فسمِّي الحنيفُ من الناس " حنيفًا " باتباعه ملته ، واستقامته على هديه ومنهاجه ، وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل ، فقيل : " يهودي ، ونصرانيّ ، ومجوسيّ " ، وغير ذلك من صنوف الملل * * * وأما قوله : و " ما كانَ مِن المشركين " ، يقول : إنه لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام ، ولا كان من اليهود ولا من النصارى ، بل كان حنيفًا مسلمًا . * * *